العودة
اراء

عواقب خسارة الملل: هل تسرق الهواتف مرونتنا النفسية؟

فاطمة علي
يوليو

المرونة النفسية هي قدرة الإنسان على تحمل الملل والتعب والعمل الطويل من أجل نتيجة بعيدة، مثل القراءة الطويلة أو تحمل نقاش أو الانتظار لفترات طويلة، يمكن أن تسمى "طولة البال". مَن نحن حقاً مِن دون "طولة البال"؟ لا يمكن للإنسان أن يعيش ضمن مجموعة من دون المرونة النفسية، فهي وسيلة للتواصل والتحمل والصبر ولكي نعيش هذه الحياة حقاً، لا يمكن أن يستقر الإنسان في وظيفة أو زواج أو حتى هواية من دون المرونة النفسية التي تساعده على التحمل والقدرة على معالجة المشاعر السلبية والإحباطات الصغيرة والكبيرة، كتحمل التعافي بعد الصدمات والضغوط والقدرة على تلقي الضربة دون أن ننكسر وأن ننهضَ من جديدٍ بعد الفشل أو الخسارة أو التعب. لكن أما زلنا نمتلك هذه القدرة كما كنا في السابق؟ ففي الأزمنة الماضية، كان الحصول على المعلومة يتطلب جهدًا، فإذا أردنا معرفة الأخبار كان علينا شراء صحيفة أو مجلة، أو الذهاب إلى مقهى وفتح حديث مع الآخرين وحتى الأخبار العالمية كانت تصلنا متأخرة وعلى شكل شذرات متفرقة. أمّا الترفيه، فلم يكن متاحًا في كل لحظة، فإذا أردنا مشاهدة فيلم، فقد ننتظر أسبوعًا كاملًا حتى يُعرض على التلفاز، ثم نتحمل الإعلانات الكثيرة وربما نكمل المشاهدة رغم أن الفيلم ليس بالمستوى الذي توقعناه ولكي نتسلى، كان علينا أن نتحرك ونخرج ونجرب أشياء مختلفة. اليوم تغير كل شيء. أصبح بإمكاننا معرفة أخبار دولة بعيدة خلال ثوانٍ، ومشاهدة أي فيلم أو مسلسل من أي مكان في العالم بضغطة زر وإذا شعرنا بالملل، يكفي أن نفتح الهاتف لنجد ساعات لا تنتهي من الفيديوهات والمحادثات والمحتوى الجديد. ولا شك أن هذا أمر رائع، فنحن نعيش في عصر نستطيع فيه التعلم والاستمتاع وفهم العالم بسهولة لم يعرفها أي جيل سابق. هل أصبح كل شيء أكثر سرعةً مما ينبغي؟ و هنا يأتي دور الدوبامين، الهرمون الأكثر شهرةً في هذا العصر، ولا شك بأننا نسمع به كثيرا، المادة الكيميائية التي يفرزها الدماغ عندما نحقق هدفًا أو نستمتع بشيء ما أو نتوقع مكافأة قريبة، هذا الهرمون جزء أساسي من دافعنا للحياة والتعلم والاستكشاف، إذن ما المشكلة؟ المشكلة تبدأ عندما نحصل على هذه المكافآت بشكل مستمر وسهل مع كل فيديو قصير، وكل إشعار جديد، وكل مقطع مضحك يمنحنا جرعة صغيرة من المتعة، ومع الوقت يعتاد الدماغ على هذا المستوى المرتفع من التحفيز، بدل الحصول عليه بشكل حقيقي، تبدأ الأشياء العادية بفقدان بريقها. يصبح من الصعب الاستمتاع بقراءة كتاب أو حتى تناول وجبة طعام من دون تشتت، ويصبح التركيز في محاضرة جامعية أكثرَ إرهاقًا، ويبدو التمرين الرياضي أو تعلم مهارة جديدة أمرًا مملاً مقارنة بالمكافآت السريعة التي يقدمها الهاتف، ويصبح الانخراط بأي فعل اجتماعي بشري صعبًا جدًا. فالدماغ بطبيعته يبحث عن الطريق الأسهل، ومع اعتياده المتعة السريعة، سيفضلُها على كل شيء آخر، ولو كان ذلك على حساب أهدافنا الطويلة المدى، وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية: فقدان الصبر، فقدان قابلية تحمل الملل، وبهذا تضعف مرونتنا النفسية تدريجيًا. إذن هل نفقد الأمل؟ بالتأكيد لا، يمكننا استعادة هذه القدرة من خلال إعادة تدريب أنفسنا على تحمل بعض الملل، ليس لأن الملل ممتع، بل لأنه يعيد التوازن إلى أدمغتنا. "لا يمكنك العثور على معنى لحياتك إلا إذا سمحت لنفسك بالملل." يمكن أن نبدأ بتقليل المحتوى السريع والقصير وعندما نقوم بأعمال بسيطة مثل التنظيف أو الطبخ أو المشي أو ركوب السيارة، نجرب قضاء بعض الوقت في صمتٍ بدلاً من ملء كل لحظة بالموسيقى أو الفيديوهات أو البودكاست. يمكن أيضًا إعادة تدريب النفس على الصبر من خلال ممارسة أنشطة تتطلب وقتًا وتركيزًا، مثل القراءة، والمشي دون استخدام الهاتف، وتعلّم الخطوط العربية كخط النسخ أو الثلث أو الرقعة، أو ممارسة الحياكة والكروشيه والتطريز، أو أي هواية يدوية تحتاج إلى التدرج والمثابرة. فمثل هذه الأنشطة لا تمنح متعة فورية، لكنها تعلّم العقل الاستمتاع ببطء الإنجاز، وتعيد إليه قدرته على التركيز والتحمل، وتُنمّي المرونة النفسية مع مرور الوقت من الأمور المهمة الأخرى. أن نستيقظ صباحًا دون الإمساك بالهاتف مباشرة، وأن نتركه بعيدًا قبل النوم، ببساطة نجرب العيش دون البحث عن مصدر دائم للتسلية، قد تبدو أمورًا صعبةً في البداية، لكن بعد فترة يبدأ العقل باستعادة قدرته على الاستمتاع بالأشياء البسيطة، يصبح التركيز أسهل، والصبر أكبر، والإحساس بالمعنى أعمق. في الختام، لا يمكننا الاستغناء عن الهواتف الذكية، ولا ينبغي لنا ذلك، فقد منحتنا التكنولوجيا فرصًا هائلة للتعلم والتواصل وفهم العالم، المشكلة ليست في الهاتف نفسه، بل في علاقتنا به. إن التحدي الحقيقي في عصرنا ليس الوصولَ إلى الترفيه، بل القدرةَ على مقاومته أحيانًا، وامتلاكَنا القدرة على اختيار الصمتِ وسط الضجيج، والتركيزِ وسط التشتت، والمعنى وسط هذا السيل اللامتناهي من الترفيه. لا تسرق الهواتف مرونتنا النفسية بشكل مباشر، لكنها تفعل ذلك عندما نسمح لها بأنْ تحرمنا من أهم مهارة إنسانية؛ القدرة على تحمل القليل من الملل من أجل شيء يستحق الانتظار.

تدقيق: حيدر المرتضى